أبطال صنعوا التاريخأخبار محليهالسياسية والعسكريةتحقيقاتتقارير

الانتصار بعد الانكسار: معركة الجزيرة الخضراء.. صمود أسطوري يزلزل عرش العدو

معركة الجزيرة الخضراء.. صمود أسطوري يزلزل عرش العدو

(19 يوليو 1969)

كتب : سامح طلعت

في صفحات حرب الاستنزاف الخالدة، تتلألأ معركة الجزيرة الخضراء كواحدة من أروع قصص الصمود والتضحية والفداء، حيث تجسدت فيها بسالة الجندي المصري وإصراره على الدفاع عن أرضه ببسالة قل نظيرها. هذه المعركة، التي وقعت في التاسع عشر من يوليو عام 1969، لم تكن مجرد اشتباك عسكري، بل كانت رمزًا للانتصار الذي يتحقق بالإيمان والعزيمة القوية بعد مرارة الانكسار. تحية إجلال وإكبار لأرواح قادة هذه المعركة وأبطالها، وعلى رأسهم العميد مجدي بشارة، قائد المعركة، وجميع الشهداء والضباط والجنود الذين سطروا بدمائهم الزكية ملحمة بطولية ستبقى محفورة في ذاكرة الوطن.

الجزيرة الخضراء: موقع استراتيجي تحت أعين العدو الطامع

لم تكن «الجزيرة الخضراء» مجرد كتلة صخرية شامخة وسط مياه البحر، بل كانت موقعًا عسكريًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، حيث احتضنت وحدات الدفاع الجوي التي كانت توفر الحماية لمدينة السويس الباسلة. أدركت إسرائيل أهمية هذا الموقع وسعت جاهدة لاحتلاله قبل حلول ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو، مستهينة بقوة وصلابة المدافعين عنه.

استعدادات إسرائيلية خبيثة: تدريب مكثف لكتيبة صاعقة وضفادع بشرية

استعدت إسرائيل لتنفيذ مخططها الشيطاني باحتلال الجزيرة الخضراء بتدريب مكثف لكتيبة من قوات الصاعقة وسرية من الضفادع البشرية في الولايات المتحدة الأمريكية لمدة ثلاثة أشهر كاملة. وقد اختارت القيادة الإسرائيلية توقيتًا رمزيًا لتنفيذ عمليتها، وهو لحظة هبوط أول إنسان أمريكي على سطح القمر، متوهمة أن هذا الحدث العالمي سيشغل الأنظار ويقلل من يقظة القوات المصرية.

قوة مصرية صلبة: مائة جندي وخمسة ضباط يتحصنون بالإيمان والعتاد

في مواجهة هذا العدوان الغاشم، كانت قواتنا المتمركزة على الجزيرة الخضراء تتألف من نحو مائة جندي وضابط صف وخمسة ضباط أبطال. وقد تسلح هؤلاء الأبطال بالإضافة إلى إيمانهم الراسخ بعدالة قضيتهم، بثلاثين صندوقًا من القنابل اليدوية، وقذائف اللهب، والذخائر المتنوعة، والألغام البحرية التي تم زرعها ببراعة تحت سطح المياه لإحباط محاولات تسلل الضفادع البشرية الإسرائيلية.

ليلة الهجوم الغادر: ثمانمائة جندي إسرائيلي يصطدمون بصخرة الصمود

بدأت العملية الإسرائيلية في تمام الساعة الثانية عشرة من ليل التاسع عشر من يوليو، حيث حاول نحو ثمانمائة جندي إسرائيلي التسلل بصمت تام بهدف قتل جميع الجنود المصريين المتمركزين على الجزيرة. ولكن سرعان ما اصطدمت هذه القوة الغازية بصخرة صلبة من الصمود والإيمان، وبدأت مواجهة عنيفة أظهر فيها جنودنا البواسل ضروبًا من الشجاعة والتضحية، وتمكنوا بدمائهم الزكية من منع العدو من دخول الجزيرة.

انسحاب مذل وهزيمة قاسية: مطاردة بطولية وإغراق لنشات العدو

لم تستطع القوات الإسرائيلية تحمل الضربات الموجعة التي تلقتها من المدافعين المصريين الأبطال، وسرعان ما دب اليأس في صفوفهم وبدأوا في الانسحاب تحت وطأة النيران المصرية الكثيفة. ولم يكتف أبطالنا بالدفاع، بل انطلقوا في مطاردة جريئة لقوات العدو المنسحبة باستخدام مدفعين رشاشين، وتمكنوا بفضل الله من إغراق عدد من اللنشات الإسرائيلية، وتكبيد العدو خسائر فادحة بلغت اثنين وستين قتيلاً ومائة وعشرة جرحى، وهو ما اعترفت به إسرائيل نفسها فيما بعد.

محاولات الإنقاذ الفاشلة: إسقاط طائرة هليكوبتر إسرائيلية بنيران مصرية

في صباح اليوم التالي للمعركة، وتحديدًا في تمام الساعة السادسة صباحًا، حاولت إسرائيل إنقاذ خسائرها بإرسال ثلاث طائرات هليكوبتر للهبوط على سطح المياه بالقرب من الجزيرة لانتشال القتلى والجرحى. ولكن يقظة وشجاعة رجال الدفاع الجوي المصري كانت لهما الكلمة العليا، حيث تمكنوا ببراعة من إسقاط إحدى هذه الطائرات، لتزداد خسائر العدو وتتأكد هزيمته النكراء.

بطولة الشهيد الدرديري: إسقاط طائرة ميراج في سماء المعركة

تتجلى عظمة التضحية والفداء في قصة الشهيد العريف محمد إبراهيم الدرديري، الذي كان يتمركز على مدفع رشاش قادر على إطلاق ثلاثة آلاف وستمائة طلقة في الدقيقة. عندما شاهد الشهيد طائرتين إسرائيليتين من طراز “ميراج” تقتربان من الجزيرة، وبمجرد دخولهما دائرة النيران، فتح رشاشه البطل ليصيب إحدى الطائرتين إصابة مباشرة أدت إلى سقوطها، ليثبت بذلك أن السماء المصرية كانت عصية على طائرات العدو بفضل يقظة وشجاعة أبطال الدفاع الجوي.

رد جنوني وغارات مكثفة: صمود أسطوري في وجه الطائرات الإسرائيلية

جن جنون إسرائيل بعد هذه الهزيمة المذلة والخسائر الفادحة، وكثفت غاراتها الجوية على منطقة الجزيرة الخضراء في اليوم التالي، العشرين من يوليو. ولكن أبطالنا العظام من سلاح الدفاع الجوي المتمركزين على الجبهة كانوا لهم بالمرصاد، وواجهوا هذه الغارات ببسالة وشجاعة منقطعة النظير، وتمكنوا بفضل الله من إسقاط سبع طائرات إسرائيلية أخرى في ذلك اليوم، ليؤكدوا بذلك أن الانتصار الحقيقي يتحقق بالصمود والعزيمة والإيمان بالله والوطن.

لقد كانت معركة الجزيرة الخضراء صفعة مدوية على وجه العدو الإسرائيلي، وبرهانًا ساطعًا على أن الانكسار لا يعني النهاية، وأن الإصرار والعزيمة والتضحية هي مفاتيح الانتصار الحقيقي. ستبقى ذكرى هؤلاء الأبطال محفورة في قلوبنا ووجداننا، ونبراسًا يضيء لنا طريق العزة والكرامة.

اقرأ أيضاً:

الرئيسية

اكتب معنا…..

أبطال حرب الاستنزاف المجهولون

أبطال صنعوا التاريخ

أشعار وقصائد

أخبار الرياضة

حرب الاستنزاف (مارس 1969): الشرارة الأولى للنصر وتفوق العسكرية المصرية على أحدث الأسلحة الإسرائيلية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى